زكي مبارك
86
عبقرية الشريف الرضي
أن يجمع بين الأدب والدين ، لأن الجماهير الاسلامية في غير العراق لم تكن تسمح لرجل من أساتذة العلوم الدينية أن يطيل القول في فتنة الخدود وسحر العيون . وليس معنى هذا أن العراق خلا خلوّا تاما من التنكر لأخلاق الظرفاء من رجال الدين ، لا ، ولكنه كان أرق وأظرف من مصر التي لم يعرف علماؤها غير فناء الاعمار في التدريس والتأليف ، والتي تسقط فيها هيبة العالم إن اتهمه حاسدوه بأنه أديب يحفظ بعض ما قيل في وصف الملاح . كان الشريف الرضي يحب ويعشق ، وقد اتسع عصره وبلده لسماع ما قال في الحب والعشق ، ولكنه مع ذلك حبس عواطفه في قفص من حديد ، لأن المجتمع العراقي على تسامحه لم يكن يبيح لمثله غير التجمل والتوفر والاستحياء ، فكان الشريف يسقي منابت الظرف من مزاجه الرقيق بقراءة ما ينظم معاصروه من أشعار المجون ، وهل نسيتم ما أشرنا إليه من اهتمامه بدراسة أشعار ابن حجاج لقد فطر الشريف الرضي على رقة الاحساس ، ولكنه منذ نشأته كان مسؤولا عن رعاية التقاليد ، وهذا السجن الاجتماعي هو الذي أخرج من وجدانه ذلك الشاعر المجيد ، لأن المشاعر لا ترهف إلا بقوة الاعتلاج ، فلو كان الشريف رجلا مطلق الحرية في تصرفاته الشخصية لكان من الممكن أن يصير ما جنا يشبه الألوف ممن تنسموا أرواح دجلة والفرات ، ولكن قسوة المجتمع صهرته صهرا عنيفا فأخرجت منه وترا حنانا يشدو فيجيد . كان الشريف يستطيع أن يملأ الدنيا بالكلام عن التنسك والتقشف والزهد ، وكان يستطيع أن يكون إماما منقطع النظير في علوم اللغة